تحقيق استقصائي يكشف تفاصيل صادمة عن مليشيا أشرف المنسي في غزة

تحقيق استقصائي يكشف تفاصيل صادمة عن مليشيا أشرف المنسي في غزة

رام الله – الشاهد| خلف “الخط الأصفر” في شمال غزة، كانت تتكون ملامح قوة جديدة، مليشيات متفرقة تتقاطع مصالحها، وتتداخل خطوطها، مع مؤشرات على اندماجها داخل شبكة واحدة تتحرك تحت أعين الاحتلال.

موقع “إيكاد” المختص في التحقيقات الاستقصائية كشف بعد تحليل معمّق لصور الأقمار الصناعية وتتبع دقيق لمنشورات قادة المليشيا على مواقع التواصل، عناصر الهيكل القيادي لمليشيا أشرف المنسي شمال القطاع، وتحدّد مناطق انتشارها داخل مربعات حساسة.

ورصد التحقيق روابط لافتة تشير إلى عملية اندماج محتملة بين هذه المليشيا ومليشيا ياسر أبو شباب، في مسار يرجّح أنه يستهدف فرض واقع أمني جديد في غزة، يتقاطع مع خطط الاحتلال لما يُسمى بـ”غزة الجديدة”.

فما أبرز قادة مليشيا “المنسي”؟ وأين تنتشر؟ وما مؤشرات الاندماج؟

كانت شرارة التحقيق صورة مطلع أكتوبر الماضي -أي قبل انعقاد الهدنة بأيام- ظهر فيها غسان الدهيني الرجل الثاني في ميليشيا أبو شباب- بجانب “أشرف المنسي” قائد ميليشيا “الجيش الشعبي” شمال غزة، وكانوا حينها داخل مدرسة شمال القطاع، محاطين بعدد من العناصر المسلحة.

وجود شخصية بارزة مثل الدهيني مع المنسي ودائرته المقربة -التي سيتم تتبعها بشكل مفصل هنا- يكشف عن تداخل واضح وترابط بين شبكات هذه التشكيلات المسلحة التي تعمل جميعها خلف الخط الأصفر في مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، وتتلقى -على ما يبدو- تنسيقًا لوجستيًا وأمنيًا.

هذا الترابط بين مليشيات أبو شباب وأشرف المنسي عززت كذلك ملامحه منشور نشرته الصفحة الرسمية للقوات الشعبية تهنئ فيه مباشرة “أشرف المنسي” وتشيد بدوره ضد “ما أسموه الإرهاب الحمساوي”.

لذا يرجح الفريق أن هذا التقارب المتزايد بين قادة المليشيات يعكس انخراطها ضمن منظومة أوسع تستخدم لإعادة تشكيل خارطة النفوذ شمال القطاع، بما ينسجم مع ما يسمى مشروع “غزة الجديدة” القائم على تثبيت واقع ميداني جديد خلف الخط الأصفر في خطواته الأولى.

هذه المعطيات وظهور بوادر ترابط مفاجئة بين الميليشيات بالتزامن مع اتفاق الهدنة في غزة، كان دافعًا لفريق إيكاد لتتبع ميليشيا “المنسي” التي ظهرت شمال القطاع وكشف هيكل قيادتها ليس للكشف فقط، بل لتحليل ميداني معمق لموقعهم الاستراتيجي المطل على مناطق سيطرة حماس والذي يقع في نقاط تماس عند الخط الأصفر..

وبمراجعة الحسابات المرتبطة بأشرف، توصل الفريق لثاني أبرز اسم في المليشيا، وهو “أحمد عبد الكريم السماعنة”.

حسابه على الفيسبوك باسم “طرف خير” أبو رمزي، وظهر ملازمًا لأشرف المنسي في معظم الفيديوهات والتدريبات، ما يرجح أنه الرجل الثاني في المجموعة.

برز حضوره بعد إعدام والده بتهمة التعاون مع الاحتلال مطلع سبتمبر، كما أعلنت قبيلته التي تُسمى “السواركة” تبرؤها من والده وأبنائه أحمد ومحمد ومحمود، معتبرة إياهم خارج نطاق القبيلة.

وبمزيد من التتبع لباقي عناصر الصف الأول من المليشيا، توصل الفريق إلى “محمود السماعنة” الذي يرجح أنه شقيق أحمد، بعدما ورد اسمه ضمن بيان السواركة الذي تبرأ من عبد الكريم السماعنة وأبنائه.

وبالبحث العكسي على الصورة الشخصية لحساب محمود على فيسبوك، تبين أن أحمد السماعنة سبق أن نشرها في “ستوري” على فيسبوك، ما يؤكد انتماءه للمجموعة.

وبتحليل صفحته، وجدناه نشر في 12 أكتوبر تهديدًا مباشرًا لحماس معلنًا أن “المرحلة الجاية إمسك حمساوي”، قبل أن يعيد في 14 أكتوبر مشاركة خطاب المنسي المصوّر، في اصطفاف واضح داخل المليشيا.

وبمزيد من البحث وراء المليشيا، رصد الفريق صفحة تابعة لها على فيسبوك وكانت تحمل اسم “الجيش الشعبي – محافظة الشمال”، التي أُنشئت حديثًا بتاريخ 5 نوفمبر.

تبيّن من متابعة فريق إيكاد للصفحة أنها دعت في 9 نوفمبر إلى تطوّع أصحاب الخبرة للمشاركة ضمن فرق الدعم والإغاثة التابعة لها.

لكن ما أثار الانتباه هنا هو منشوراتها في يومي 7 و8 نوفمبر، حيث دعت للسكان للتوجّه إلى منطقة تموضعها في أقصى شمال القطاع، والانضمام إلى دورات تدريبية عسكرية تُقيمها هناك.

فأين يتمركز عناصر الميليشيا؟ وما أهمية المناطق المتواجدون بها؟ والأهم.. ما علاقتها بخطط الاحتلال؟

هذه المنشورات التي دعت فيها الميليشيا السكان إلى التوجه إلي أماكن تموضعها، دفعت فريق إيكاد لتتبع عناصر الميليشيا ورصد أماكن تواجدهم، لفهم طبيعة المنطقة التي يتمركزون بها، ومن هنا بدا لنا أن تمركزهم ليس عشوائيًا، بل في موقع يُشير إلى أن هناك كبير يُعاد ترتيبه على أرض غزة.

عند تتبّع صور الأقمار الصناعية “Sentinel Hub” لهذه المنطقة، تبيّن أن الساحة المقابلة للمدرسة كانت تُستخدم -حتى مارس 2025- كمخيم للنازحين قبل أن تُزال بالكامل مع خرق “إسرائيل” للهدنة ومعاودتها الحرب على القطاع في 18 مارس 2025، فيما يرجّح أنه عملية تهجير قسري لإخلاء محيط المدرسة.

ومن أواخر أغسطس إلى 17 نوفمبر 2025، شهدت المنطقة أعمال تمهيد وتجريف للطريق المؤدي من الشارع الرئيسي إلى مدرسة أحمد الشقيري، المجاورة لمدرسة عزبة بيت حانون.

ليرجح الفريق من خلال هذه التغيرات الجذرية التي رصدوها في المنطقة أنها كانت لتسهيل حركة دخول وخروج المجموعة وعرباتها العسكرية، حيث أنها تزامنت مع إعلان أشرف المنسي عن إنشائه مليشيا الجيش الشعبي.

ما يعني أن سياسات التهجير والنزوح كانت ممنهجة، وأن مناطق النزوح الآمنة تحولت إلى مناطق سيطرة خالصة للمليشيات، في إشارة بارزة وواضحة على تنافي الفكرة التي يروّجها ويدّعيها المنسي ورفاقه أنهم يقفون مع حق الشعب ومصلحته.

تتميّز هذه المنطقة بأنها تقع على مرتفع استراتيجي يطل على بيت لاهيا والقرية البدوية ومعسكر جباليا، ما يمنحها قدرة مراقبة واسعة على مناطق نفوذ حماس.

كما أن انحسار نشاط المليشيا في رقعة ضيقة ملاصقة للخط الأصفر يُشير إلى وجود علاقة تبادلية مع الاحتلال تقوم على تسهيل الحركة وتقسيم النفوذ، خاصةً مع تبنّي عناصرها خطابًا عدائيًا تجاه حماس.

كما يوفر الموقع مخرجًا تكتيكيًا سريعًا نحو مناطق الاحتلال، ما يعزز فرضية وجود تنسيق أو حماية، ويضع المليشيا في موقع حساس يجمع بين الضغط على حماس وضمان ملاذ آمن داخل العمق الإسرائيلي.

رصد فريق إيكاد بعد التعمق في حسابات عناصر المليشيا أن “أبو علي صبيح” نشر عبر صفحته على تيك توك مقاطع من داخل مدرسة عزبة بيت حانون، وأظهرت وجود مواد غذائية وأجهزة كهربائية بكميات كبيرة ولافتة للانتباه.

حلل الفريق هذه المقاطع، ورصدنا فيها منتجات تحمل علامات واضحة باللغة العبرية، من بينها العبوة الحمراء المكتوب عليها “סוכר לבן” وتعني سكر أبيض، إضافةً إلى كرتونة بيضاء تحمل شعار شركة “Zarubi” الإسرائيلية.

ويثير امتلاك عناصر المليشيا لهذه المواد والأجهزة -في وقت يعاني فيه سكان القطاع من نقص حاد- تساؤلات حول مصدرها، سواء كانت مواد استولت عليها، أو بضائع دخلت عبر تجار، أو دعمًا مباشرًا من إسرائيل، لا سيما مع ما وثقناه سابقًا حول تنقُّل السماعنة بسهولة داخل القطاع وخارجه.

يناقض ذلك تمامًا خطاب المليشيا عن حماية السكان، ويكشف عن شبكة مصالح تمس الواقع المعيشي للمدنيين في قطاع غزة.

أول تلك الحسابات وأبرزها كان لشخص يُدعى “أبو آدم أبو شعبان”، وتركز نشاطه الرقمي منذ 10 أغسطس الماضي على شيطنة حركة حماس.

كما أعاد في 3 نوفمبر نشر فيديو لحسام الأسطل وهو يحرق علمًا أخضر يشبه علم حماس، ويكذّب فيه رواية المقاومة حول اعتقال خمسة من عناصر مجموعته.

رصد الفريق أيضًا خلال تتبّع النشاط الرقمي المرتبط بالمليشيا حسابًا على تيك توك لشخص يُدعى “مالك”، وهو من متابعي أحمد السماعنة وأشرف المنسي. وقد نشر صورة في 12 سبتمبر علّق عليها السماعنة قائلًا: “منوّر يا الذيب”، قبل أن يحذفها لاحقًَا.

برز أيضًا حساب “عقيد الشمال” كأحد أبرز مناصري المليشيا أشرف المنسي، الذي يعيد نشر المقاطع التي سبق للمنسي وأحمد السماعنة مشاركتها.

وآخر الحسابات المؤيدة للمليشيا كان حساب “قوات الشمال”، الذي وجدنا أنه يتابع بشكل مباشر المنسي والسماعنة وأبو علي صبيح، ما يعكس شبكة دعم إلكترونية تعمل على تضخيم محتوى المليشيا.

ويستنتج أن مليشيا أشرف المنسي تتواجد داخل مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، وتتخذ من مدارس عزبة بيت حانون مقرًا ثابتًا، في نقطة تتطابق مع خريطة الانسحاب الإسرائيلي وخطة ترمب لإعادة هندسة شمال غزة.

ويتضح أم المليشيا ضمت قيادات بارزة مثل أحمد السماعنة وأبو علي صبيح، مع ظهور غسان الدهيني (نائب قائد أبو شباب) داخل مواقعهم، ما يكشف تداخلًا واضحًا بين مليشيات الشمال والجنوب ضمن منظومة واحدة.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية عمليات تجريف وإزالة مخيمات نازحين حول المدارس، بما يشير إلى تهيئة الأرض لتموضع المليشيا، وتحويل مناطق نزوح إلى مناطق سيطرة مغلقة.

وأثار وجود كميات كبيرة من الأغذية والأجهزة داخل مقرات المليشيا أسئلة حول مصادر الدعم وطبيعتها مع الحاجة الشديدة والنقص الحاد الذي يعاني منه شعب القطاع.

وأوضحت منشورات رسمية لمليشيا “أبو شباب” تعلن “الاشتراك المباشر مع مجلس السلام”، وهو الكيان ذاته الوارد في خطة ترامب للإشراف على “إعادة تطوير غزة” أن هناك تداخلًا يعزز فرضية تحرك هذه المجموعات ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم خارطة النفوذ في القطاع.

إغلاق