عن أوهام السلطة الفلسطينية

رام الله – الشاهد| كتبت لميس أندوني.. من غير المعروف كيف تشكَّل الوهم عند السلطة الفلسطينية بأن خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتمرير نقاط خطيرة منها في قرار مجلس الأمن رقم 2803، هو بمثابة دليل على ثقة المجتمع الدولي وواشنطن بقدرة السلطة على الإشراف على إعادة بناء قطاع غزّة المدمّر جرّاء حرب إسرائيلية امتدت سنتين ولم تنته فصولها بعد، فترحيب السلطة بالخطة وتصريحات مسؤولين من قيادة حركة فتح، لعل أبرزهم عباس زكي، أن القرار أعطى الثقة للسلطة الفلسطينية بإدارة عملية إعادة بناء قطاع غزّة النازف وبالتالي العودة إليه، إما يدل على عدم فهم أو الانجرار لرسائل خادعة بأن الغرب أو حتى العالم اختار السلطة على حركة حماس، وقد يكون ذلك صحيحاً إلى درجة ما، إذا اخترنا المعنى السطحي لما يبدو تأييد الاتحاد الأوروبي دوراً مستقبليّاً للسلطة في غزّة والضفة الغربية.
لكن وهم السلطة يعتمد على قراءة قاصرة لكل من خطّة ترامب وموقف الاتحاد الأوروبي؛ وإذا كانت السلطة تريد أن تهنأ بأحلامها، فالمشكلة ليست في خيبة أملها، بل في تداعيات هذه الأوهام على القضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني التي تعاني من التمزّق أصلاً، فلا علاقة لتفضيل الغرب والدول العربية السلطة الفلسطينية بتثبيت السلطة جهة وطنية فلسطينية تمثل الحق الفلسطيني، بل بوضعها أمام اختبار جديد لوقف المقاومة، من أي فصيلٍ كان، وفرض ما تُسمّى “إصلاحات” لاقتلاع الفكر المقاوم والالتزام بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
قبلت السلطة مثل هذه الدور أصلاً، لكن واشنطن وإسرائيل استنتجتا أنها فشلت في منع ظهور المجموعات المقاومة، وأبقت على مفاهيم الشهادة والتضحية من أجل تحرير فلسطين في بعض سياساتها وإعلامها وخطابها أمام المحافل الدولية.. فحين تتحدّث واشنطن عن “إصلاح السلطة” فهي لا تتحدّث عن محاربة الفساد وتطوير الخدمات وأسس الحوكمة العادلة، وإنما عن تغيير مفاهيم الشعب الفلسطيني النابعة من تمسّكه بروايته التاريخية، وفنه وتراثه وكل مدينة وقرية دمّرتها العصابات والجيش الصهيوني.
لا تهمّنا السلطة الفلسطينية نفسها هنا. ولكن لا يمكن القبول بأي خطوات قد تأخذها بناء على وهم القبول الدولي، خصوصاً أن مجلس الوصاية الاستعماري الذي ينوي ترامب تشكيله لتغيير ديموغرافية غزّة وجغرافيتها لتحويل القطاع إلى مشروع استثماري ضخم، ومنع الفلسطينيين من إعادة بناء مجتمع، لا مكان فيه لسلطةٍ فلسطينية، إلا بعد فرض واقع جديد في غزّة، لا يمكن عكسه أو تصحيحه، ولن يكون دور أي هيئة أو سلطة فلسطينية أتمّت “الإصلاحات المطلوبة بنجاح”، سوى إدارة ما تبقى من أهل غزّة بما يتفق مع متطلبات غزّة “الجديدة”.
ترفض إسرائيل، حتى هذه اللحظة، أي دور لسلطة فلسطينية مستقبلية مقبولة أميركياً في قطاع غزّة
ترفض إسرائيل، حتى هذه اللحظة، أي دور لسلطة فلسطينية مستقبلية مقبولة أميركياً في قطاع غزّة، وباشرت في تقليص مساحة الأراضي التي تُشرف عليها السلطة في الضفة الغربية، تمهيداً لفرض سيطرتها الكاملة وضم الضفة إليها، وذلك أحد الأسباب التي تشرح، إلى درجة ما، حرص بعض الدول العربية المجاورة لأرض فلسطين بالحفاظ على السلطة، بإبقاء تمثيل فلسطيني معترف به دولياً على الأرض الفلسطينية، وهذا أيضاً يشرح تردّد الفلسطينيين من محاولة إقصاء السلطة الفلسطينية، أكان بانتفاضة فلسطينية ضدها، أو إنشاء جسم بديل في الخارج. ولكن السلطة لا تُريد أن تفهم أنّ وعي الفلسطينيين وخوفهم من فراغ سياسي يحولان دون القضاء على الجهة الوحيدة المعترف بها دولياً، أعني منظّمة التحرير الفلسطينية، التي تختبئ السلطة خلف خيالها، لا ولن يمنحها الحق بالجري نحو وهم لن يُنقذ السلطة من غضب إسرائيل ومن القبضة الأميركية، فواشنطن لا تنظر إلى السلطة نظرتها نفسها إلى الأنظمة التبعية، إذ إن الهدف هو تصفية القضية الفلسطينية، وتريد إنهاء دور السلطة، وبالتالي منظّمة التحرير، دولياً، ولا يوجد هنا مدعاة من الخيرية في هذا الحديث، فالمخطّط الأميركي الصهيوني لن يتسع طويلاً لتمثيل فلسطين في الأمم المتحدة أو المنظّمات الدولية، فمهما كان رأينا بأداء السلطة، تريد واشنطن إنهاء كل ذلك. لكنها (واشنطن) تريد مساعدة السلطة على إنهاء أي دور لها يعرقل تصفية المشروع الصهيوني، فما يسمّى بالإصلاحات، التي تنادي بها مؤسّسات صهيونية في أميركا، يهدف إلى تقليص دور السلطة وإلى تغيير المناهج التعليمية تماماً، والصحافة الفلسطينية والتعليم الجامعي وأشكال الفنون، والامتناع عن تحرّكات في الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية.
لذا تتردّد أميركا بالسماح لإسرائيل بالقضاء على السلطة، فهي، وبعض المؤسّسات الصهيونية، التي تختلف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، تسعيان إلى “نسخة منقّحة” من السلطة لتنفيذ المهام المطلوبة ولإعطاء شرعية لمسار خطة ترامب في غزّة، والضم التدريجي لمعظم أراضي الضفة الغربية، وإكمال تهويد القدس، ومن بعدها لن يكون هناك سلطة فلسطينية، بنسختها الحالية، بل مجرّد جسم إداري مسيطَر عليه، لا يحق له الوجود دولياً أو في محفل و/ أو سياق سياسي، فصبر الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية ومثقفيه، ليس خوفاً من السلطة ولا تعلّقاً أو إعجاباً بها، لكن وعياً بالأهداف الإسرائيلية، فإذا كانت السلطة لا تعي ذلك فهذه مصيبة، والمصيبة الكبرى أنها تخاف المؤتمرات الوطنية الفلسطينية التي تُعقد في أماكن متعدّدة من العالم لتجميع كلمة الشعب الفلسطيني أكثر من خوفها من واشنطن وإسرائيل.
لا يمكن أخذ القرار إلا من خلال قيادة وطنية موحدة تواجه السلطة بإرادة الشعب الفلسطيني، وهذه المهمّة الأصعب
لا يعني ذلك أن جهة ما قد تحاول التقدّم بمشروع منظّمة تحرير بديلة لتنفيذ الأجندة الأميركية بشكلٍ أفضل، وهذا وارد، لكن ما يريده معظم الفلسطينيين هو استعادة وحدتهم وتمثيلهم الوطني الموحّد، ووضع رؤية لمواجهة ما قد يكون أصعب تحدٍّ يواجههم منذ النكبة، فالمطلوب منع تصفية القضية الفلسطينية.
سأقول شيئاً قد يبدو ساذجاً، علماً أنني أعرف تماماً أن المصالح الفردية السلطوية هي التي تطغى؛ إلا أنّ على السلطة أن تتواصل مع قيادات المؤتمرات الفلسطينية، ليس لدرء خطر تحوّلهم إلى بديل، وإنما لأن خطّة ترامب لن تعترف بأي دور لهم في غزّة إلا بعد “غربلة السلطة”، وحينها قد تكون قد وجدت جسداً بديلاً. ولا أحاول إنقاذ السلطة هنا، فقد فقدت مصداقيتها منذ زمن ليس بالقصير، لكن ما يهمّنا هنا فلسطين، ولتتذكّر السلطة أن الشعب يبحث عن قيادة حقيقية، وهي لن تكون كذلك، لكن عليها على الأقل عدم المضي في وهم يساهم في خطوات تصفية القضية الفلسطينية تعلّقاً بوهم استمرارها.
لا خروج من استمرار سلطة تعيش في أوهامها، تمسّكاً بالسلطة، فيما المسألة هي تحرّر الشعب الفلسطيني، لا خروج إلا بإيجاد ضغط كبير عليها، يوقفها على الأقل من العيش على رضا العدو، فالمسألة ليست منافسة بين حركتي حماس وفتح، بل مصير شعبٍ يُراد إنهاء وجوده وترابه وهويته.
من السهل إنهاء المقال بشعار “فلتسقط السلطة”، لكن الحل أشد تعقيداً والتحدّي أصعب، ولا يمكن أخذ القرار إلا من خلال قيادة وطنية موحدة تواجه السلطة بإرادة الشعب الفلسطيني، وهذه المهمّة الأصعب
الرابط المختصر https://shahed.cc/?p=97579





