وقت جرد الحساب: من المسؤول عن المأساة الفلسطينية أوسلو أم المقاومة ؟

رام الله – الشاهد| خط الكاتب الفلسطيني اسماعيل الريماوي مقالاً حول ما تحاول به اللجان الإعلامية الفتحاوية وبعض اللجان العربية من تحميل المقاومة ما يجري من حرب إبادة للشعب الفلسطيني، مؤكداً أن السبب الأول والرئيس والأوحد لما نحن فيه هو اتفاق أوسلو وغيرها من الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير مع الاحتلال، وفيما يلي نص المقال كاملاً.
في خضم المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق أهلنا في قطاع غزة، تخرج علينا أصوات من داخل السلطة الفلسطينية أو من حولها ومن جيوشها الإلكترونية، في جرد للحساب في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني الى الوحدة في ظل حرب وجودية تريد قلعه من ارضه ، لتهاجم المقاومة وتحملها وزر ما يجري، وكأنها هي التي قررت الاحتلال والاستيطان والقصف والقتل، وكأنها هي السبب في دمار غزة وتشريد أهلها، بينما يتجاهل هؤلاء الحقيقة الجوهرية التي يعرفها القاصي والداني، وهي أن الاحتلال نفسه هو أصل البلاء ومنبعه، وهو الذي أنجب المقاومة ودفع شعبًا بأكمله إلى حمل السلاح دفاعًا عن نفسه وكرامته وحقه في الحياة فوق أرضه.
لا يكتفي هؤلاء بالدعوة إلى وقف المقاومة أو تقييدها، بل يذهبون أبعد من ذلك بالدعوة إلى نزع سلاحها وإلغائها من الوجود، ليس فقط من الساحة السياسية، بل من الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني، وكأن المطلوب هو محو آخر ما تبقى من عناصر الصمود والمواجهة، وكأن هذه الأصوات تُردد صدى ما تريده إسرائيل بالضبط، إذ جعلت هدفها المركزي من هذه الحرب هو القضاء على أي شكل من أشكال المقاومة في غزة والضفة على حد سواء، تمهيدًا لتكريس واقع استعماري بلا رادع ولا كابح .
إن ما يثير الاستغراب أن هذه الأصوات المهاجمة للمقاومة لم تُعطِ نفسها حتى الوقت لانتظار نهاية العدوان لتقييم الموقف، بل سارعت منذ اللحظة الأولى إلى توجيه سهامها نحو الداخل الفلسطيني، في انسجام تام مع الرواية الإسرائيلية، وهو ما يكشف حقيقة ارتباطها بالمشروع الذي أضاع فلسطين وأوصلنا إلى ما نحن فيه ، ولم تقدم في وقن نفسه البديل للشعب الفلسطيني من خلاص من الاحتلال او وجود شبه دوله ، بل تقاتل على وعود واوهام ومفاوضات مفتوحة جربت لاكثر من ثلاثون عاما دون أي انجاز .
وهنا لا يمكن القفز فوق الحقيقة الكبرى: أن اتفاق أوسلو هو الجريمة السياسية التي فتحت الأبواب أمام الاحتلال ليستفرد بالشعب الفلسطيني، لم يضيّع غزة وحدها كما يحاول البعض أن يصوّر ويحمل وزره للمقاومة، بل ضيّع القدس، وأسقط حق العودة، وشرعن الاستيطان، وأتاح للاحتلال أن يمدد أذرعه الأمنية والعسكرية في كل مكان، تحت غطاء دولي وإقليمي، لقد قدّم أوسلو للاحتلال ما لم يكن يحلم به: سلطة بلا سيادة، وشرطة بلا وطن، ونخب سياسية مرتبطة بالفتات الذي يُلقى إليها بينما يواصل الاحتلال ابتلاع الأرض وتهويد المقدسات وتنفيذ مشروعه التوسعي بلا عائق.
إن تحميل المقاومة مسؤولية ما يجري اليوم في غزة هو قلب للحقائق وتزييف للتاريخ، فالمقاومة لم تأتِ من فراغ ولم تُفرض على الفلسطينيين من الخارج، بل هي ثمرة طبيعية لوجود الاحتلال، وهي التعبير الأصدق عن إرادة شعب يرفض أن يعيش تحت الذل والاستعمار، أما الذين يهاجمونها اليوم فهم إما عاجزون عن مواجهة العدو وإما متواطئون معه، وفي الحالتين فإنهم لا يمثلون شعبًا قدّم التضحيات جيلاً بعد جيل، ورفض أن يكون مجرد شاهد على اغتصاب أرضه وتشريد أهله .
إن المعركة ليست بين غزة والمقاومة من جهة، وبين الاحتلال من جهة أخرى، بل هي معركة وجود بين شعب يسعى للحرية، وبين مشروع استعماري يريد اقتلاع هذا الشعب من جذوره. وما يزيد من خطورة المشهد هو أن جزءًا من النخبة السياسية الفلسطينية ما زال يراهن على سراب اسمه حل الدولتين ومسار التسوية، في الوقت الذي لم يبقَ فيه على الأرض ما يمكن التفاوض عليه، حتى وجود هذه السلطة أصبح مهددًا بعد أن استنفد الاحتلال أغراضه منها .
ولعل ما يجري اليوم يضعنا أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن ينحاز الفلسطينيون جميعًا إلى خيار المقاومة بوصفه الخيار الوحيد القادر على مواجهة مشروع الإبادة والتهجير، أو أن يستسلموا لرواية الاحتلال وأدواته الداخلية، فيتحولوا إلى شهود زور على ضياع ما تبقى من فلسطين. فالمقاومة لم تكن يومًا خيارًا تكتيكيًا، بل كانت قدرًا فرضه الاحتلال على هذا الشعب، وما لم ينكسر مشروع الاستعمار فلن يكون أمام الفلسطيني إلا أن يقاوم، مهما حاولت أبواق الداخل أن تشوّه وتضلل .
الرابط المختصر https://shahed.cc/?p=93062





