كتب نبيل عمرو: مارتن إنديك وإنقاذ أوسلو

كتب نبيل عمرو: مارتن إنديك وإنقاذ أوسلو

كتب نبيل عمرو

من القليلين جدًا الذين رأوا إمكانية لإعادة الحياة لمشروع أوسلو، هو الدبلوماسي الأمريكي الشهير، مارتن إنديك.

إن الذي يدعوني لأن آخذ رؤيته بصورة جدية، أن للرجل باعاً طويلاً في السياسات الأمريكية تجاه المسار الفلسطيني الإسرائيلي تحديداً، وإضافة إلى مهامه الرسمية وكلها هامة ومؤثرة، فإن مواكبته لما يجري من خارج هذه المهام، وضعته في مصاف الخبراء الذين يعتد بتحليلهم واستخلاصاتهم.

فهو إذاً صاحب نظرية إمكانية إحياء أوسلو بعد خروج عباس ونتنياهو من المشهد.

شيء كهذا جرى تداوله زمن عرفات – شارون، مع تركيز استثنائي على عرفات، الذي صُور خروجه من المشهد كما لو أنه الإنقاذ الأكيد لمشروع أوسلو، وبعد أن خرج بسبب الوفاة، وجاء مهندس أوسلو ليحل محله، تدهورت الأمور بصورة أكثر تسارعاً، إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه الآن من حرب ساخنة تجري في ظل حطام أوسلو.

في الحالة الفلسطينية الإسرائيلية، كل شيء ممكن وكل شيء مستحيل. وبين الممكن والمستحيل، هوامش أحيانا تصنعها تطورات لا دخل لأي من الطرفين فيها، مثل عملية مدريد التي أنتجتها حرب الخليج، والجهد الدولي الذي قادته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي المحتضر وبمشاركة تكاد تكون شاملة من العالم كله.

فنتجت أوسلو عن مدريد، التي أظهرت أن التسوية بين الطرفين تكاد تكون مستحيلة، لتبدو أوسلو كما لو أنها الوصفة الأخيرة للحل، ذلك أن كل الذين تبنوا مدريد وشاركوا فيها انتقلوا إلى تبني أوسلو والإنفاق عليها، ما جعل من مجرد تخيل الفشل أمرا مخالفا للمنطق.

لا أحد ينكر دور الأفراد في صنع السياسات وحتى المصائر، وما كان لمدريد أن تفشل، لولا تعهد شامير بذلك، وما كان لها أن تنعقد لولا موافقة عرفات على ذلك، غير أن هذا لا يعتبر قانوناً، ذلك أن الفشل تم بينما تناوب على السلطة في أمريكا وإسرائيل وفلسطين، رجال أقوياء، وبذلت من أجل النجاح جهود هائلة وإنفاق سخي، فذهب الأقوياء كل في سبيله، وبقي الفشل والتدهور عصياً على أن ينتج نجاحاً.

أوسلو لم تمت بمعنى الانقراض النهائي، فما زالت آثارها المادية قائمة بجزء كبير منها، وأهم ما بقي من أوسلو السلطة الفلسطينية، وإن كانت لا تصل إلى ما هو قريب من الدولة، إلا أنها ما تزال قائمة تدير شؤون الواقعين تحت سيطرتها، بعد أن كانت منظمة التحرير تدير بعض شؤونهم عن بعد. كما بقي من أوسلو مهندسها الفلسطيني محمود عباس، الذي لا يتردد في اعتبار نفسه حارساً على ما تبقى منها، يحدوه أمل بأن يعثر على ترياق ينقذها من الانهيار والانقراض.

وبقي من أوسلو ما يقارب مليون فلسطيني عادوا إلى الديار، ومن دونها ما كانت ممكنة عودة العشرات. وبقي من أوسلو كذلك التنسيق الأمني ولو من طرف واحد، كدلالة على أن فيها بعض نبض يبقيها على قيد الحياة، ذلك لا يعني أن في الأمر قدراً من التوازن بين الربح والخسارة، فالربح بمقياس أوسلو قليل إذا ما قورن مع الخسارة التي دفعها الفلسطينيون من خلال غياب الأفق السياسي الذي من أجله ذهب الثوار إلى مدريد ثم أوسلو وإلى كل الفعاليات الأخرى في ذات السياق.

نتنياهو في طريقه إلى مغادرة موقعه أو تراجع نفوذه في صنع السياسات والقرارات، وهذا أمر طبيعي ومتوقع.

وعباس لن يكون مخلداً، ففي حضوره وهو المهندس وصاحب القرار الفلسطيني، تسارع انهيار المشروع، وفي غيابه فالمؤكد الوحيد هو الغموض والانفتاح على الفوضى، والابتعاد أكثر عن حل تفاوضي، ليس فقط بفعل أن في إسرائيل حكومة لا تؤمن بالسلام مع الفلسطينيين وإنما بفعل غياب ما كان فعالا زمن مدريد وأوسلو وهو الأولوية الدولية للمشروع، ووجود الكبار من كل الأطراف الذي كان بمقدورهم اتخاذ قرارات هامة.

بالنسبة للفلسطينيين كانت لديهم مؤسسة قرار هي النظام السياسي “نظام منظمة التحرير” الذي استطاع الدخول في لعبة التسوية، بما تطلبت من قرارات صعبة، ولولا النظام السياسي القوي، بمؤسساته وشرعيته، لما تجرأ عرفات على مصافحة رابين وهو يسيطر على كل الضفة وغزة.

في حال غياب عباس سيكون الوضع أكثر صعوبة فمن يعلق الجرس؟ هذا إذا وجد جرس أصلاً، أما في حال غياب نتنياهو فلننظر إلى الحد الأدنى الذي يتوافق عليه الإسرائيليون، لنرى هل يتضمن دولة حقيقية للفلسطينيين، أم كياناً مفرغاً من السيادة والحرية والاستقلال؟

نحن الآن في حالة حرب تجري تحت ركام أوسلو، وإذا كان من غير الممكن البدء من الصفر في محاولة جديدة، فمن غير الممكن كذلك أن ينتج الركام بناءً.

في السياسة من غير المستحب القول إن أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم، ومع الفشل المزمن الذي ابتلي به المسار الفلسطيني الإسرائيلي، فلا مناص من خط مستقيم يتبناه العالم بجدية أكثر، ويعمل عليه، وهو الحل الذي يرضي الفلسطينيين ويقنعهم، وهذا الحل موجود في قرارات الشرعية الدولية، والمبادرة العربية للسلام.

يبدو الأمر صعبا، ولكن من دونه يتحول الصعب إلى مستحيل.

إغلاق