لعنة (أوسلو) ومتوالية الخدمات الأمنية التي تقدمها السلطة الفلسطينية لإسرائيل

لعنة (أوسلو) ومتوالية الخدمات الأمنية التي تقدمها السلطة الفلسطينية لإسرائيل

صنعاء – الشاهد| كتب عبدالسلام التويتي كاتب وشاعر يمني.. رغم أنَّ اتفاقية “أوسلو” قد نصت صراحةً على حل الإدارة المدنية الإسرائيلية في أراضي (67 المفترضة لإقامة الدولة الفلسطينية) ونقل كامل صلاحياتها إلى السلطة الفلسطينية، فقد كشفت الوقائع المتلاحقة لا سيما الراهنة أنَّ «أوسلو» كانت ولم تزل لعنة تصيب القضية الفلسطينية في مقتل، إذ لم ينفذ من بنودها -وبشكلٍ مجتزإٍ- إلَّا ما يتعلق بالتنسيقات الأمنية وفي حدود قمع المقاومين الفلسطينيين وتوفير الحماية للصهاينة وللمستوطنات الصهيونية بصورةٍ مجانية.

تعهد «عرفات» المسبق بمحاربة المقاومة بشكلٍ مطلق
لعل ما لمسه الرئيس الفلسطيني الراحل «محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة الحسيني» الذي عرف بـ«ياسر عرفات» -بعد مضي عقد ونصف على توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية- من تخليات عربية عن القضية الفلسطينية، قد حمله على الارتماء في أحضان السلطات الصهيوينة وإبداء الاستعداد التام للارتباط باتفاقية سلام، ولأنه مجبول -شأنه شأن الحكام العرب- على الضيق ذرعًا بأيِّ صوتٍ وطني معارض، فقد بادر بطمأنة مفاوضه المتربع على رأس الحكومة الصهيونية بالعمل -في الراهن وفي المستقبل- على خنق صوت أية مقاومة فلسطينية، وفي هذا الصدد فقد ورد في سياق مقال المحامي الفلسطيني «عبدالستار قاسم» التحليلي المعنون [التنسيق الأمني دفاع عن أمن الصهاينة] الذي نشره في موقع «الجزيرة» بتأريخ 12 فبراير 2012 ما يلي: (نصت رسالة «ياسر عرفات» إلى «إسحاق رابين» رئيس وزراء إسرائيل عام 1993 -والتي صدرت قبل توقيع اتفاق أوسلو- على تعهد «منظمة التحرير الفلسطينية» بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، ويقصد بذلك -دون أدنى شكّ- ملاحقة المقاومين الفلسطينيين المحتملين، وجاء اتفاق أوسلو بعد ذلك لينصَّ على إقامة تنسيق أمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون أن يدخل في تفاصيل).
تعامل أمريكا والصهيونية مع «عرفات» بدونية

من المؤسف أننا أبناء الأمة العربية ممثلين بمعظم حكامنا نقدم أنفسنا لخصومنا تقديمًا يخالطهُ شعورٌ ملحوظ بالدونية، فيتعامل معنا الخصوم -وهم على حقّ- من هذا المنطلق، ولأنَّ الراحل «ياسر عرفات» لم يكن استثناءً على أبناء قومه، فقد تعامل معه مسؤولو الإدارة الأمريكية ومسؤولو السلطات الصهيونية بذلك النمط من الدونية، وليس أدلّ على سوء معاملته من أحد رؤساء أمريكا من احتواء مقال الكاتب الصحفي «غسان شربل» التحليلي المعنون [إيران على حدود إسرائيل] الذي نشره «عربي 21» في الـ22 من يناير الحالي على ما يلي: (في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت في ظل هجمات 11 سبتمبر، ذهب عرفات آملًا في لقاء الرئيس جورج بوش أو على الأقل مصافحته، خصوصًا بعد ما تبين أن الهجمات من فعل تنظيم «القاعدة»، فرفض بوش استقبال عرفات. وفي الحفلة المخصصة لرؤساء الوفود، قال بوش للأمين العام «كوفي أنان»: «هذا الرجل -يعني «عرفات»- يعتقد أنني سأصافحه، عليه أن يصافح نفسه بنفسه»)، وقد أشير إلى أحد المواقف الدالة على ما مني به من رموز الصهيونية بتعاملاتٍ دونية في سياق مقال الكاتب «غسان شربل» الذي سبقت الإشارة إليه على النحو التالي: (في 1998 انعقدت في «واي ريفر» برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق «بيل كلينتون» المحادثات الفلسطينية-الإسرائيلية، وكادت الجلسة تطير، لأنَّ «آرييل شارون» أراد التأكد سلفًا على أنَّه لن يضطر إلى مصافحة «ياسر عرفات»، وحين دخل القاعة، حيّاه «عرفات» من «جنرال إلى جنرال» ومدَّ يده للمصافحة، لكنَّ «شارون» تجاهل المبادرة وجلس في مقعده قرب «بنيامين نتنياهو»).
حصر التنسيقات الأمنية في خدمة المصالح الصهيونية
على العكس ممَّا توهم مسؤولو السلطة الفلسطينية الذين شاركوا في إنتاج «أوسلو» من أنَّ إيفاءهم بالتزاماتهم بما أنيط بهم في جانب التنسيقات الأمنية سيفضي بهم إلى إقامة دولة فلسطينية، تمكنت السلطات الصهيونية من تسخير أجهزتهم الأمنية للقيام بما خططت له من مهام أمنية، وذلك ما يفهم من استهلال الخبر الصحفي التفصيلي المعنون [شارون: لا أعتزم التعرض لعرفات] الذي نشر في «ميدل إست أونلاين» يوم الأربعاء الموافق 26 ديسمبر 2001 بما يلي: (أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي «آرييل شارون» -في مقابلة مع أسبوعية “لكسبريس” الفرنسية- أنَّ لا “مصلحة” له في إرغام الرئيس الفلسطيني «ياسر عرفات» على مغادرة الأراضي الفلسطينية.
وفي رد على سؤال حول نوايا بعض وزراء حكومته الساعين إلى طرد عرفات قال شارون: “لا مصلحة لي في ذلك”.
وأضاف: “لماذا اتركه يرحل ولديه الكثير يفعله هنا؟ إنَّ لديه الكثير يفعله هنا، كالزج بالإرهابيين في السجن، ومصادرة وتدمير أسلحتهم، وغيره”).
ومنذ ذلك الحين تنحصر مهام الأجهزة الأمنية الفلسطينية المتعددة -على مدى عشرات السنين- في حفظ أمن الصهاينة وحفظ أمن المستوطنات الصهيونية المتكاثرة بصورة جنونية على حساب أراضي الضفة الغربية المخصصة -في ضوء ما نصت عليه اتفاقية «أوسلو» اللاإنسانية- لإقامة الدولة الفلسطينية، أما مهمتها الثانية فتتمثل -أولًا بأول- في ملاحقة واعتقال وتعذيب كوادر وناشطي المقاومة بصورة غاية في القذارة والمثابرة والاستدامة.
اشتمال التنسيقات «العباسية» على مهام تجسسية
إذا كانت مهام الأجهزة الأمنية قد اقتصرت في عهد الرئيس «ياسر عرفات» وفي السنين الأولى من حكم «خلفه» على الحيلولة دون وقوع أيٍّ من الأعمال المقاومة بأنماطها المختلفة بعد أن تصير في حكم المكتشفة، فقد أخذت طبيعة تلك الأجهزة -بعد انفراد حركة «حماس» بإدارة «قطاع غزة»- تتسع لتمارس -بالإضافة إلى مهامها المحددة- مهامًا استخباراتية وجاسوسية تتناسب مع ما طرأ من مظاهر الاستئثار والأنانية على السلطة «العباسية-الدحلانية» ومن تسابق على إرضاء السلطات الصهيونية، وقد أشير إلى هذا الإجراء العمالي بوضوحٍ جلي في سياق التقرير التحليلي المعنون [“التنسيق الأمني”.. خطر يحيط بالفلسطينيين ويعيق المقاومة] الذي أعده الصحفي «خضر عبدالعال» ونشره في صحيفة «فلسطين أونلاين» بتأريخ 16 يناير 2019 على النحو التالي: (في سبتمبر الماضي قال رئيس السلطة «محمود عباس» أمام وفد حركة “السلام الآن” الإسرائيلية خلال لقائهم في مقر المقاطعة برام الله: إنه “يلتقي شهريًّا برئيس [الشاباك]، كما أنه أمر قادة الأجهزة الأمنية بالالتقاء يوميًّا بقادة جيش الاحتلال والمخابرات لتعزيز التعاون الأمني”. ويوم أمس الأول نقلت القناة “العاشرة” العبرية عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية «غادي آيزنكوت» قوله خلال جلسة وداعه أمام حكومة الاحتلال أنَّ “السلطة الفلسطينية أحبطت خلال الأيام الأخيرة عملية عسكرية لحماس”).
إيمان «محمود عباس» أنَّ التنسيق الأمني مقدس
بالرغم من أنَّ توقيع منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها الراحل «ياسر عرفات» اتفاقية «أوسلو» مثل أولى حلقات مسلسل التفريط الذي تواصل بشكلٍ متسلسل، وبالرغم ممًَا قدمه «عرفات» -لأكثر من عشر سنوات- من التنازلات، فقد ظلت تنازلاته غير كافية من وجهة نظر صهيوأمريكية بدليل لجوء الإدارة الأمريكية إلى البحث عن بديل، وقد ألمح إلى اتخاذ هذا الإجراء -في مستهل التقدير التحليلي المعنون [وثائق بريطانية سرية: بوش أمر المخابرات الأمريكية بالبحث عن بديل لياسر عرفات في ذروة انتفاضة الأقصى] الذي نشر في موقع «روسيا اليوم» بتأريخ 31 يناير 2023 المنصرم- على النحو التالي: (كشفت وثائق بريطانية سرية أن الرئيس الأمريكي الأسبق «جورج بوش الابن» أمر المخابرات الأمريكية بالبحث عن خليفة محتمل للزعيم الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات» بعد تصاعد انتفاضة الأقصى عام 2001).
ويبدو أنَّ الاختيار قد وقع -بعد توافق «تل أبيب» و«واشنطن»- على محمود عباس «أبي مازن» الذي قدم -على مدى عقدين زمنيين كاملين- تنازلات لا تقارن، فقد ظل طيلة فترة ترؤسه السلطة الوطنية الفلسطينية محافظًا على المصالح الصهيونية من خلال الالتزام التام بما أوكل إلى سلطته من مهام في ضوء التنسيقات الأمنية التي يعتبرها مقدسة، ويمكن استنباط هذا المعنى من احتواء تقرير الصحفي «خضر عبدالعال» التحليلي على ما يلي: (وقد قال الضابط السابق في جهاز المخابرات التابع للسلطة «فهمي شبانة»: إنَّ عباس يؤمن بأن “التنسيق الأمني مقدس”، حتى بات الأمر عقيدة راسخة لدى السلطة وأجهزتها الأمنية. وأوضح «شبانة» لصحيفة “فلسطين”، أمس، أن أجهزة أمن السلطة تقوم بدورها الوظيفي في حفظ أمن الاحتلال ومستوطنيه، وليس حماية أفراد شعبنا الفلسطيني، كما هو مفروض).
تهافت عباس على دور الخادم وردُّ نتنياهو الصادم
لعل العوائد المالية التي يجنيها «محمود عباس» وأبناؤه من وراء الخدمات التي يقدمها للسلطات الصهيونية من موقعه على رأس السلطة الفلسطينية قد حملته على الاستماتة في مواصلة تقديم خدماته حتى ولو كان ثمن ذلك استمرار ما يلحق بـ«قطاع غزة» من دمار، وذلك ما يمكن أن يفهم من استهلال التغطية الإخبارية المعنونة [عباس: السلطة الفلسطينية يمكن أن تلعب دورًا في إدارة غزة ضمن حل شامل] التي نشرت في «SWI swissinfo.ch» في الـ10 من نوفمبر 2023 المنصرم بما يلي: (قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة إن السلطة الفلسطينية يمكن أن تلعب دورًا في إدارة قطاع غزة بشرط أن يكون هناك حل سياسي شامل يشمل أيضًا الضفة الغربية المحتلة).ن
وفي المقابل جاء ردُّ السفاح «بنيامين نتنياهو» صادمًا وغير مقتنعٍ باستمرار «محمود عباس» خادمًا، وذلك ما يمكن أن يفهم من استهلال الخبر الصحفي التحليلي المعنون [نتنياهو: محمود عباس لن يحكم غزة خلال ولايتي] الذي حرره الصحفي «زين خليل» ونشره في وكالة أنباء «الأناضول» في الـ6 من ديسمبر الماضي بما يلي: (تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الأربعاء بألَّا يحكم الرئيس الفلسطيني محمود عباس قطاع غزة خلال ولايته.
جاء ذلك في تدوينة لنتنياهو عبر حسابه على منصة “إكس”، تعليقًا على ما أوردته شبكة “سكاي نيوز” حول استعداد عباس لتحمل السلطة الفلسطينية مسؤولية حكم قطاع غزة إلى جانب الضفة الغربية).

إغلاق